إسرائيل تكشف عن ضربات جوية هي الأضخم في تأريخها في سوريا.. لماذا؟
كشف الجيش الإسرائيلي أمس الثلاثاء عن تنفيذ ضربات جوية واسعة النطاق استهدفت نحو 80% من القدرات العسكرية السورية، في عملية وصفها بأنها من أكبر الهجمات الجوية في تاريخ سلاح الجو الإسرائيلي.
وأعلنت مصادر أمنية عن توغل عسكري إسرائيلي في جنوب سوريا، حيث وصلت القوات الإسرائيلية إلى عمق 25 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة دمشق.
ويبدو أن إسرائيل استفادت من تطورات الوضع في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث أظهرت خرائط نشرها موقع "الجزيرة" سيطرة إسرائيل على قمة جبل الشيخ وعدد من القرى داخل المنطقة منزوعة السلاح، متوغلة في الأراضي السورية لمسافة تصل إلى 18 كيلومترًا. هذه التحركات جاءت في إطار حملة عسكرية إسرائيلية واسعة استهدفت أكثر من 250 هدفًا عسكريًا داخل سوريا.
وفقاً للخبراء العسكريين، يمثل هذا التوغل الإسرائيلي محاولة لإعادة ترسيم خطوط فض الاشتباك التي تم الاتفاق عليها مع سوريا في عام 1974، والتي احتفظت إسرائيل بموجبها بجزء من هضبة الجولان المحتلة. ويرى الخبراء أن هذه العمليات تشير إلى تغيير كبير في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سوريا والمنطقة بشكل عام، مع التركيز على ترسيخ واقع جديد على الأرض من خلال فرض الهيمنة العسكرية على المناطق الحدودية المهمة.
الأسباب العسكرية والتحديات الاستراتيجية
تتعدد الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى تصعيد عملياتها العسكرية في سوريا، حيث يشير الخبير العسكري أسامة خالد إلى أن هناك قناعة راسخة في إسرائيل بشأن خطورة الوضع الاستراتيجي في سوريا بعد التغيرات السياسية العميقة التي شهدتها البلاد. يعتبر صناع القرار في إسرائيل أن سقوط النظام السوري يمثل تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي، خاصة في ظل الانفلات الأمني الذي قد يؤدي إلى اندلاع اقتتال داخلي بين الفصائل المسلحة المدعومة من أطراف إقليمية. ويرى الاحتلال الإسرائيلي أن هذه الفوضى قد تكون بيئة خصبة لشن هجمات على الحدود مع الجولان وفلسطين المحتلة.
أما عن الأسلحة الاستراتيجية التي خلفها النظام السوري، فيؤكد خالد أن هذه الأسلحة تمثل تهديدًا محتملاً لإسرائيل، خاصة مع وجود طائرات عسكرية أنظمة دفاع جوي ودبابات قد تشكل خطرًا في المستقبل. ولذلك، يضيف الخبير العسكري، فإن التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية يهدف إلى تأمين المواقع والمستوطنات المحاذية لسوريا في مناطق القنيطرة ودرعا، وإنشاء "حزام أمني" يمتد داخل الأراضي السورية، مما يتيح لإسرائيل إشرافًا معلوماتيًا عاليًا ويحد من أي خطر بري قد يهدد أمنها.
المواجهة مع إيران وحزب الله
من أبرز الأهداف الاستراتيجية للتدخل الإسرائيلي في سوريا هو القضاء على الوجود العسكري الإيراني وحزب الله في المنطقة، خصوصًا في الجنوب السوري. يعتبر هذا التوغل خطوة حاسمة لإبعاد الخطر الإيراني عن حدود إسرائيل، إذ يعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن أي وجود عسكري إيراني في سوريا يشكل تهديدًا طويل الأمد للأمن الإسرائيلي.
وبحسب المصادر العسكرية، فإن هذه العمليات تستهدف تدمير المواقع العسكرية الإيرانية وحزب الله التي قد تستغل الأراضي السورية كنقاط انطلاق للهجمات على إسرائيل في المستقبل.
إضافة إلى ذلك، يرى البعض أن إسرائيل تسعى إلى منع أي محاولة من قبل إيران أو أذرعها العسكرية لتعزيز قدراتهم في المنطقة على المدى الطويل، وهو ما يفرض على إسرائيل ضرورة إبقاء هذه الأهداف تحت السيطرة من خلال ضرباتها المستمرة.
التداعيات القانونية والسياسية
يطرح التدخل الإسرائيلي في سوريا العديد من الأسئلة حول القانون الدولي وشرعية هذه العمليات. ففي الوقت الذي تبرر فيه إسرائيل هجماتها بأنها تأتي في إطار الدفاع عن أمنها القومي، يرى العديد من الخبراء أن هذه العمليات تمثل انتهاكًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية "فض الاشتباك" التي تم توقيعها بين إسرائيل وسوريا عام 1974، والتي كانت تهدف إلى تجنب أي تقدم عسكري من قبل الأطراف المتنازعة نحو أراضي الآخر.
أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس بالرباط، تاج الدين الحسيني، يعبر عن موقفه قائلًا: "ما تفعله إسرائيل في سوريا يعتبر خرقًا سافرًا للقانون الدولي، خصوصًا مع تصعيد عملياتها العسكرية عبر اختراق المنطقة العازلة التي يفترض أن تكون تحت إشراف الأمم المتحدة." ويضيف الحسيني أن هذه الانتهاكات تأتي في سياق التوسع الإسرائيلي على حساب الأراضي السورية، خاصة مع دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في مواقفها.
من جانبه، يوضح أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأميركية، رائد أبو بدوية، أن الإجراءات الإسرائيلية تُمثل تعديًا على اتفاقية "فض الاشتباك" لعام 1974، والتي كانت تهدف لضمان عدم تقدم أي طرف نحو حدود الطرف الآخر. ويشير أبو بدوية إلى أن انهيار النظام السوري وعدم قدرة الحكومة السورية الحالية على فرض سيطرتها على الحدود مع إسرائيل قد منح تل أبيب ذريعة لتوسيع نطاق احتلالها للأراضي السورية، بما في ذلك جبل الشيخ.
الآثار المحتملة على الوضع السوري والمنطقة
من المحتمل أن تكون لهذه التحركات الإسرائيلية آثار كبيرة على الوضع السوري الداخلي. مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، تتزايد احتمالات تعرض سوريا لمزيد من التفكك والفوضى، مما ينعكس سلبًا على استقرار المنطقة بأسرها. هذه التحركات قد تثير مشاعر الغضب لدى السوريين والعرب والمسلمين الذين يرون في الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية تهديدًا للأمن الوطني السوري.
أستاذ الشؤون السورية وائل علوان يرى أن التصعيد الإسرائيلي يعكس تغييرًا في الموقف الاستراتيجي لإسرائيل، والتي باتت غير واثقة في استمرار الاتفاقات الإقليمية والدولية لتحقيق أمنها القومي، وتعتبر أن السيطرة على مناطق جديدة داخل سوريا سيشكل حلاً طويل المدى لحماية حدودها من التهديدات المحتملة.
في ضوء هذه التحولات، يبقى السؤال الأبرز حول ما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على مواجهة هذا التصعيد الإسرائيلي، خاصة في ظل الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل وغياب آليات فعالة لوقف هذه الانتهاكات.
العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا لا تقتصر على كونها تصعيدًا في سياق الصراع الإقليمي، بل تطرح أيضًا تساؤلات حول المستقبل السياسي للمنطقة وحول تطبيق القانون الدولي في مواجهة القوى الكبرى.